عبد السلام بنعبد العالي، محاورا الفكر الفرنسي..
في معنى فلسلفة الإختلاف!!
إن عودة الفكر الفلسفي إلى الواجهة الأكاديمية والثقافية والإعلامية، هي عودة للحوار الفلسفي في مناطق وأزمنة متعددة. ولا تعني العودة نوعا من اليقظة الجديدة في مقابل أفول ونوم مؤقتين للفكر الفلسفي الراهن عالميا. ولا تعني العودة في ثوبها المعياري الأخلاقي بقدر ما تعني عودتها للواجهة، للمواجهة وللمقاومة؛ مواجهة النمط الإعلامي الجديد ومفعولاته المدمرة من هنا تأتي كتابة أحد المفكرين الأساسيين في الفكر المغربي، إن لم نقل الإستثناء الفكري فيه، ذلك لإعتبارات متعددة نجملها في النقط التالية:
أ ـ إنه ظل وفيا لإستراتيجيته الفكرية منذ كتابه الأول!« العلم الميتافيزيقيا الإيديولوجيا!» ويروم هذا الوفاء في المرجعيات التي تؤسس فكره وممارسته الفكرية في نفس الآن، والمتمحورة حول “فلسفة الإختلاف“.
ب ـ لا يفيد المرجع ـ حسب مفكرنا ـ نسخة من النسخ أي عبر الترجمة والنسخ بقدر ما يتعلق الأمر “بالنظرة Le regard” التي يقرأ بها.
ج ـ إن علاقته بالفكر الفلسفي (تدريسا وترجمة وكتابة) ليست علاقة نقل أو انبهار بل هي علاقة متعة يكون فيها الحوار ممكنا بين أطياف فلسفية متعددة. وهذا ما يؤكده في أكثر من كتاب من قبيل !7ها نحن نرى أن الرجل (ديريدا) يشاركنا في أكثر من نقطة، همومنا الفكرية، وهو يدعونا بطريقته إلى أن نقتفي أثره، ونسير على دربه كي نقترب منه ما أمكن حتى نبتعد عنه! ص 102 …
إن التأمل في كثافة الدلالة يفيد القراءة بمعنى كيف يقرأ هذا المفكر الفكر الفلسفي؟
كأن أَسَّ هذا الكتاب الجديد الصادر مؤخرا عن دار توبقال * هو القراءة بتعدديتها.
إذ النقط التي اعتبرناها استثناءا في الفكر المغربي، تتعداها إلى نقط أخرى فيما يخص اللغة التي يكتب بها وفلاحة النصوص والبحث والفوارق وجدَّة أسئلته…
لذا يدخل هذا الكتاب في أفق الإستتراتيجية التي حددت سلفا، فدعوته ـ كما يُبَيِّنُ عنوان الكتاب ـ إلى الحوار مع الفكر الفلسفي الفرنسي، أي إلى قراءته بنوع من النديَّة التي تقهر جدلية العبد بالسيد، لذا يكون الحوار كشكل من أشكال المشاركة الفلسفية أو كشكل لإشراك الأسئلة الفلسفية الكبرى في أسئلتنا الراهنة ـ عربية على الأقل ـ فالمسألة هنا تفترض منَّا بعض الأسئلة؛ أسئلة تتوقف عند عتبة العنوان وفهرسه وهي افتراضات تتسم بمكر قارئها، كأن نقول: لماذا تخصيص الفكر الفلسفي الفرنسي بالحوار؟ هل المسألة تعود إلى اللغة أو إلى اللاشعور الذي يؤسسها. هل للتاريخ … أم للجغرافيا … ! أم أن المسألة أكبر من ذلك، ما دام الفكر الفلسفي الفرنسي نافذة لقراءة الفلسفة الألمانية وغيرها …
وهذا ما يؤكده الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي في أكثر من مرة حول العلائق التي تربط الفكر الفلسفي الفرنسي بنظيره الألماني والمحددة في كون الألمان أنفسهم يقرأون الفلسفة الألمانية في ترجمتها الفرنسية.
قد يكون المبرر ملتبسا، بإلتباس التاريخ واللغة، وقد يقول نفس القارئ أنه من الممكن أن يكتب مصري أوخليجي كتابا بنفس العنوان عبر حذف الفرنسي ووضع الانجليزي محله. لكن هذا السؤال وإن كان خارج السياق يظل محركا لمكر قارئه، بل قد يتعداه إلى المفكرين الذين ثم إختيارهم للحوار معهم، وقد نطرح بنفس الصيغة: لماذا هؤلاء بالضبط ؟ قد يكون الجواب مقنعا هذه المرة حين اعتبار هؤلاء من أهم وأبرز المفكرين في الساحة الفرنسية، لكون أسئلتهم فتحت نقاشا لازال متداولا إلى حدود الآن. كأن مفكرنا يغض الطرف لما تفرضه قوى الإعلام من أسماء سرعان ما يخفت صيتها.
لا عجب أن تكون هذه الإفتراضات أسئلة تدفع قارئها لإعادة تقليب الأسماء وتشكيل معمارها وهندستها بما يفيد الرهان على مشاركتها الفعلية في أسئلتنا الراهنة، ولا عجب كذلك أن تكون الأسماء المختارة في الفكر الفلسفي الفرنسي لها ظرفيتها، أي أنها تتعلق بذكرى مناسبة ما. كأن المناسبة تلك تفيد أسباب نزول حوار مع هذا المفكر أو ذاك ، ليس من قبيل إشاعته والحديث عن إنجازاته بل في كون سبب النزول إمكانية لعودة هذا المفكر الفرنسي أو ذاك إلى دائرة قراءته أي إعادة القراءة في مناسبة تلتقطها وسائل الإعلام لتنساها في لحظة إعلانها.
إن هذا الكتاب الذي نريد تقديمه للقارئ يتعلق بحوار فلسفي مع مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين، وقد كتبت مقالاته في مناسبات مختلفة، لكن هناك ناظم يعقلها لتنتظم في عمق استراتيجية هذا المفكر الاستثنائي، وهي استراتيجية ما انفك يعلنها في أكثر من كتاب، بشكل ضمني أو صريح .
استرتيجية تروم إلى فلسفة الاختلاف وإلى المفكرين الأساسيين الذين انخرطوا جميعا في قلب الثنائيات عبر التفكيك والحفر والبحث في الينابيع المتعددة والمتدفقة من أصولها .
ومن هنا نتساءل حول المفكرين والفلاسفة الذين إستضافهم ـ في هذا الكتاب _ للحوار معهم. سؤالا محددا في إشراكهم في قضايانا وفي القرب والبعد منهم وإن كان هؤلاء تركوا منذ أكثر من نصف قرن علاماتهم مطروحة في كل الطرق العربية.
لذا نجزم أن استضافتهم لا تتعلق بكرم حاتمي بل بكونهم تركوا أثرهم في















