في معنى فلسلفة الإختلاف!!

يونيو 20th, 2008 كتبها حمو زروال نشر في , فلسفة

عبد السلام بنعبد العالي، محاورا الفكر الفرنسي..

في معنى فلسلفة الإختلاف!!

 

إن عودة الفكر الفلسفي إلى الواجهة الأكاديمية والثقافية والإعلامية، هي عودة للحوار الفلسفي في مناطق وأزمنة متعددة. ولا تعني العودة نوعا من اليقظة الجديدة في مقابل أفول ونوم مؤقتين للفكر الفلسفي الراهن عالميا. ولا تعني العودة في ثوبها المعياري الأخلاقي بقدر ما تعني عودتها للواجهة، للمواجهة وللمقاومة؛ مواجهة النمط الإعلامي الجديد ومفعولاته المدمرة من هنا تأتي كتابة أحد المفكرين الأساسيين في الفكر المغربي، إن لم نقل الإستثناء الفكري فيه، ذلك لإعتبارات متعددة نجملها في النقط التالية:
أ ـ إنه ظل وفيا لإستراتيجيته الفكرية منذ كتابه الأول!« العلم الميتافيزيقيا الإيديولوجيا!» ويروم هذا الوفاء في المرجعيات التي تؤسس فكره وممارسته الفكرية في نفس الآن، والمتمحورة حول “فلسفة الإختلاف“.
ب ـ لا يفيد المرجع ـ حسب مفكرنا ـ نسخة من النسخ أي عبر الترجمة والنسخ بقدر ما يتعلق الأمربالنظرة Le regard” التي يقرأ بها.
ج ـ إن علاقته بالفكر الفلسفي (تدريسا وترجمة وكتابة) ليست علاقة نقل أو انبهار بل هي علاقة متعة يكون فيها الحوار ممكنا بين أطياف فلسفية متعددة. وهذا ما يؤكده في أكثر من كتاب من قبيل !7ها نحن نرى أن الرجل (ديريدا) يشاركنا في أكثر من نقطة، همومنا الفكرية، وهو يدعونا بطريقته إلى أن نقتفي أثره، ونسير على دربه كي نقترب منه ما أمكن حتى نبتعد عنه! ص 102
إن التأمل في كثافة الدلالة يفيد القراءة بمعنى كيف يقرأ هذا المفكر الفكر الفلسفي؟
كأن أَسَّ هذا الكتاب الجديد الصادر مؤخرا عن دار توبقال * هو القراءة بتعدديتها.
إذ النقط التي اعتبرناها استثناءا في الفكر المغربي، تتعداها إلى نقط أخرى فيما يخص اللغة التي يكتب بها وفلاحة النصوص والبحث والفوارق وجدَّة أسئلته
لذا يدخل هذا الكتاب في أفق الإستتراتيجية التي حددت سلفا، فدعوته ـ كما يُبَيِّنُ عنوان الكتاب ـ إلى الحوار مع الفكر الفلسفي الفرنسي، أي إلى قراءته بنوع من النديَّة التي تقهر جدلية العبد بالسيد، لذا يكون الحوار كشكل من أشكال المشاركة الفلسفية أو كشكل لإشراك الأسئلة الفلسفية الكبرى في أسئلتنا الراهنة ـ عربية على الأقل ـ فالمسألة هنا تفترض منَّا بعض الأسئلة؛ أسئلة تتوقف عند عتبة العنوان وفهرسه وهي افتراضات تتسم بمكر قارئها، كأن نقول: لماذا تخصيص الفكر الفلسفي الفرنسي بالحوار؟ هل المسألة تعود إلى اللغة أو إلى اللاشعور الذي يؤسسها. هل للتاريخ … أم للجغرافيا … ! أم أن المسألة أكبر من ذلك، ما دام الفكر الفلسفي الفرنسي نافذة لقراءة الفلسفة الألمانية وغيرها
وهذا ما يؤكده الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي في أكثر من مرة حول العلائق التي تربط الفكر الفلسفي الفرنسي بنظيره الألماني والمحددة في كون الألمان أنفسهم يقرأون الفلسفة الألمانية في ترجمتها الفرنسية.
قد يكون المبرر ملتبسا، بإلتباس التاريخ واللغة، وقد يقول نفس القارئ أنه من الممكن أن يكتب مصري أوخليجي كتابا بنفس العنوان عبر حذف الفرنسي ووضع الانجليزي محله. لكن هذا السؤال وإن كان خارج السياق يظل محركا لمكر قارئه، بل قد يتعداه إلى المفكرين الذين ثم إختيارهم للحوار معهم، وقد نطرح بنفس الصيغة: لماذا هؤلاء بالضبط ؟ قد يكون الجواب مقنعا هذه المرة حين اعتبار هؤلاء من أهم وأبرز المفكرين في الساحة الفرنسية، لكون أسئلتهم فتحت نقاشا لازال متداولا إلى حدود الآن. كأن مفكرنا يغض الطرف لما تفرضه قوى الإعلام من أسماء سرعان ما يخفت صيتها.
لا عجب أن تكون هذه الإفتراضات أسئلة تدفع قارئها لإعادة تقليب الأسماء وتشكيل معمارها وهندستها بما يفيد الرهان على مشاركتها الفعلية في أسئلتنا الراهنة، ولا عجب كذلك أن تكون الأسماء المختارة في الفكر الفلسفي الفرنسي لها ظرفيتها، أي أنها تتعلق بذكرى مناسبة ما. كأن المناسبة تلك تفيد أسباب نزول حوار مع هذا المفكر أو ذاك ، ليس من قبيل إشاعته والحديث عن إنجازاته بل في كون سبب النزول إمكانية لعودة هذا المفكر الفرنسي أو ذاك إلى دائرة قراءته أي إعادة القراءة في مناسبة تلتقطها وسائل الإعلام لتنساها في لحظة إعلانها.
إن هذا الكتاب الذي نريد تقديمه للقارئ يتعلق بحوار فلسفي مع مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين، وقد كتبت مقالاته في مناسبات مختلفة، لكن هناك ناظم يعقلها لتنتظم في عمق استراتيجية هذا المفكر الاستثنائي، وهي استراتيجية ما انفك يعلنها في أكثر من كتاب، بشكل ضمني أو صريح .
استرتيجية تروم إلى فلسفة الاختلاف وإلى المفكرين الأساسيين الذين انخرطوا جميعا في قلب الثنائيات عبر التفكيك والحفر والبحث في الينابيع المتعددة والمتدفقة من أصولها .
ومن هنا نتساءل حول المفكرين والفلاسفة الذين إستضافهم ـ في هذا الكتاب _ للحوار معهم. سؤالا محددا في إشراكهم في قضايانا وفي القرب والبعد منهم وإن كان هؤلاء تركوا منذ أكثر من نصف قرن علاماتهم مطروحة في كل الطرق العربية.
لذا نجزم أن استضافتهم لا تتعلق بكرم حاتمي بل بكونهم تركوا أثرهم في

المزيد


ون كيشوت في الفكر الفلسفي المعاصر .. محاولة فهم طبيعة الوجود الإنساني المعاصر

مايو 18th, 2008 كتبها حمو زروال نشر في , فلسفة

ون كيشوت في الفكر الفلسفي المعاصر .. محاولة فهم طبيعة الوجود الإنساني المعاصر

عبد العزيز بومسهولي

- دون كيشوت كشخصية مفهومية.
لعل السؤال الذي تتمحور على أساسه هذه المقاربة، هو كالتالي: كيف أصبح سيرفانتيس ملهما للفكر الفلسفي المعاصر، من خلال روايته الإشكالية « دون كيشوت ديلامانشا»؟ بل كيف أضحى البطل الروائي « دون كيشوت» شخصية مفهومية تنفلت عن أن تكون مجرد شخصية تعبر من خلال سيرورة السرد الروائي، عن تجربة حياة كما هو شأن معظم الأعمال الروائية السائدة، لتغدو شخصية إشكالية تفسح المجال لنوع من الاستثناء الذي يمنحها قابلية إيواء المفاهيم، أي قابلية التعبير عن تجربة حياة بما هي انكشاف لتجربة الفكر، أي أنها تكشف كينونة كائن يقود تجربته. من خلاله وعي منفصل ? نحو مغامرة تضع التجربة الإنسانية بوصفها تجربة غيرية، موضع إشكال يؤزم علاقة الكائن بالعامل الذي يصير من خلاله فضاء للعلاقات الغيرية. إن أصالةسرفانتيس” لا تمكن فقط في ريادته للجنس الروائي، وإنما أيضا في كونه مبدع الشخصية الإشكالية إن لم نقل الشخصية المفهومية بالمصطلح الدولوزي الدقيق ? على الرغم من تجاهل دولوز لشخصية دون كيشوت و حرصه على إبراز شخصيه أبله دو ستيوفسكي في كتابة المشترك مع غتاري، ما هي الفلسفة؟ - فشخصية دون كيشوت” تقود من حيث غرابتها نحو خلق مفارقات تؤزم و ضع الفرد بالعالم، و تجعله أمام تجربة فكر يغاير الواقع و يكشف هشاشة العلاقات البيذاتية في عالم يسوده الخداع و تتعذر فيه الحقيقة. و هذا ما أضفى على هذه الشخصية جاذبية جعلت الفلاسفة المعاصرين يفكرون من خلالها في إشكالات مغايرة، و يمكن الإشارة على سبيل المثال - لا الحصر - إلى الفيلسوفين الإسبانيين أو نامونو، وأوروتيغا أي كراسيه و إلى الفيلسوف الفرنسي ذي الأصل الليتواني « ليفناس » ثم إلى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
إن السؤال الذي تقترحه هذه المقاربة يفضي بنا إلى تحليل مختلف التأملات الفلسفية المعاصرة التي استلهمت. دون كيشوت من أجل فهم طبيعة الوجود الإنساني في العالم، و بالتالي الانفتاح على مختلف الأسئلة الشائكة التي ظلت تؤرق الفكر الإنساني من قبيل سؤال الوعي اليقظ و الحمق، المسؤولية تجاه الآخر و العدالة الإنسانية، التماثل و الاختلاف، و غيرها من الأسئلة التي تضع و جود الإنسان في العالم أمام وضعيات استشكالية.
إن دون كيشوت كما يزعمإيمانويل لفناس” يمارس الكوجيتو بطريقة الخاصة، إنه ينطلق من الشك المؤسس ليقين الانخداع، فشخصية دون كيشوت ، إذ تكتشف ذاتها المخدوعة تسعى من خلال انخراطها في فضح واقع الانخداع إلى المحافظة على سلامة و عي الذات. وإذا ما أخدنا هذه التجربة باعتبارها مغامرة متعددة الأبعاد، فإننا و فق هذا المنظور سنؤول شخصية دون كيشوت باعتبارها شخصية مفهومية إن و ضعية دون كيشوت تلتقي هنا بوضعية ” ذلك الأبله الذي يقدف بالكوجيتو، ويحمل الافتراضات الذاتية أو برسم السطح (المخطط) le plan فهو المفكر الشخصي الذي يشكل مفهوما بقوى فطرية يمتلكها كل فرد كإمكانية لحسابه. ذلك هو نموذج شخصية غريبة جدا تريد أن تفكر من خلال ذاتها بواسطة بواسطة الضوء الطبيعي، إن الفلسفة لا تكف عن إحياء شخصيات مفهومية و عن منحها الحياة”1
و إذا كانت الشخصية المفهومية شرط لإمكانية المفاهيم، فإن الإشكال الجمالية هي شرط لإمكانية للمفاهيم، فإن الأشكال الجمالية هي شرط لإمكانية المؤثرات الانفعالية و الإدراكية ” فالأولى تعمل فوق مسطح المحايثة بينما الأخرى تعمل فوق مسطح تركيبي كصورة للعالم الظاهرة، فتمنح الصور العظيمة للفكر و الرواية مؤشرات تتجاوز المؤشرات الانفعالية و الإدراكية العادية بقدر ما تتجاوز المفاهيم الآراء الاعتيادية.
و هذا ما يسمح بأن يكون هناك نوع من التداخل بين الفلسفة و الفن، فكل واحد منها يعبر نحو الآخر في سياق صيرورة تحتويهما معا و تحددهما مشتركين معا، كما يمكن لمسطح التأليف الفني ومسطح المحايثة أن ينزلق احدهما فوق الآخر بحيث أن كيانات من الواحد يمكن أن تشغل جوانب من كيانات الآخر2. و في هذا السياق فإن الشكل الروائي لدون كيشوت سيغدو إمكانية لشخصية مفهومية في الفكر الفلسفي المعاصر لدى “أونا مونو”، و”أو رتيغا أي غراسيه”، كما لدى لفناس و “فوكو” وآخرين. لقد انشغل الفلاسفة المعاصرون بشخصية دون كيشوت، باعتباره شخصية إشكالية تمتلك من سمات الغرابة ما يجعلها أفقا لاستشراف إشكالات العصر المفهومية، و من ثمة فإن تفكيك سمات هذه الشخصية تضع الفيلسوف المعاصر ينحو نحو قراءة مغايرة يقتحم من خلالها حقل المفاهيم التي يؤسس من خلالها لمنظوره الفلسفي.
1-
أو نامونو، دون كيشوت أو الحمق المتعقل.
أ- لقد خصص الفيلسوف الإسباني “ميجيل أو نامونو” Miguelunamuno تعليقا أخلاقيا ? فلسفيا لرواية سرفانتيس تحث عنوان ” حياة دون كيشوت و سانشو، حسب ميجيل سرفانتيس “سافيدرا” يتتبع من خلاله سيرة دون كيشوت ليستعيد من خلالها أسئلة العصر التي تضع الفكر في مواجهة استشكالات مفاهيمية، و لعل أهم الأسئلة التي يستشكلها “أو نامونو”من خلال صديقهدون كيشوت” إنما تتعلق بالعدالة بوصفها سؤالا راهنا يستدعي تفكيرا مغايرا حتى و لو كان يستند إلى شخصية الأحمق الذي يعلمنا أن نكون حكماء.
(
تابع ص: 1)

يطرحأونامونو” في بداية تعليقه علاقة الأرض بحياة دون كيشوت و تأثيرها في تصوراته للعالم التي تعبر عن نوع من الحمق الحكيم، و هذا يفسر ما ذهب إليه “دولوز” حين اعتبر أن الشخصية المفهومية تمتلك دورا في الكشف عن المواطن، و انتشالات الأرضنة و أشكال الأرضنة المطلقة المتعلقة بالفكر3 فحينما يستدعي الفنان أو المفكر و الفيلسوف أرض المولد، فلأن الفلسفة لا تنفصل عن الوطن الأرض. إن الانبعاث الذي تشهد عليه الفلسفة يتجسد من خلال شخصية الأحمق، ذلك الذي يريد أن يفكر بطريقته الخاصة، خالقا من الأرض التي انبعث فيها، فضاء لإبداع الغرابة التي تحكي عن نوع من العلاقة بين الغريب، و بين الموجودات الأرضية لتتخذ حجما تراجيديا ساخرا، كما هو شأن “دون كيشوت” التي تعتبر غرابته الساخرة بالنسبة “لاونامونو” هي التعبير الأصدق عن الفلسفة الإسبانية. وبالنسبة لهذا الأخير، فإن هناك جانبا مجهولا في سيرة دون كيشوت يتعلق الأمر، بالولادة و الطفولة والشباب، ” فنحن لا نعرف شيئا عن ولادة دون كيشوت و لاعن طفولته أو شبابه، و لا كيف اهتدى قلب هذا الفارس لا يمان، حيث الحمق يعلمنا أن نكون حكماء، و لا نعرف شيئا عن والديه و لا عن أسرته، و لا عن شجرة أنسابه، ولا كيف ترسخت في عقله الرؤى حول سهل لا مانش، حيث اعتاد أن يصطاد، كما لا نعرف شيئا عن التأثير الذي مورس على روحه، من خلال تأمله لحقول الزرع المنشورة خشخاشا و ترنجانا. « Bleuets » إننا لا نعرف شيئا عن سنوات شبابه 4 .
إن معنى هذا أن نسبه إنما يبتدئ معه، فظهور “دون كيشوت” يقترن باقتحامه سن الخمسين في إحدى قرى المانش الفقيرة.
إن فقر دون كيشوت يفسر معظم جوانب حياته، كما أن فقر الشعب يعد مصدرا لعلاته و فضائله في نفس الآن، فالأرض التي غدت دون كيشوت هي أرض فقر جدباء، و هذا الفقرة هو الذي صير سكانها رحلا تائهين بحثا عن لقمة العيش في أراض أخرى بعيدة، و

المزيد


رهانات الفلسفة اليوم…

مايو 8th, 2008 كتبها حمو زروال نشر في , فلسفة

حسن إغلان


إن الحديث عن الراهن الفلسفي، يستدعي سؤال البدء، كسؤال يشطب العتبات ويفكك الثنيات العالقة بينها، نستحضر سؤال الاهمية، بمعنى هل مازال راهننا العالمي يفترض أهل الفلسفة أو المكتوبين بنار بروميثيوس أو الجوالين في حدائق أبيقور أو المكتشفين المتأهلين للغابة السوداء أو القابعين في الأرشيفات يطردون الغبار والفيروسات الجديدة من هذا الارشيف، بمعنى هل مازلنا نحتاج الفلسفة في زمن محو كل القيم التي فكر فيها وأسسها الفلاسفة، إننا نشير ها هنا ـ الى نظام العولمة الذي يقتل الحلم والفيلسوف والمثقف واضعا العالم لتقنية رقمية قائدا ومسيرا لما نعيشه ونفكر فيه. لقد أضحت الفلسفة تفقد بريقها ووهج موضوعاتها منذ القرن 18. وإذا ضبطنا إيقاع تحولاتها بتحول زمنية موضوعاتها، نستطيع القول إن منتصف القرن الماضي، دشنت الفلسفة مساحات جديدة، متعددة، لا تتعلق فقد بتجديد خطابها عبر تجديد أسئلتها وإعادة قراءتها لتاريخها عبر قلب الأرشيفات ترجمة، وتحقيقا ونقدا ومقارنة. بل تعدت هذا الى مجالات أخرى كالتشكيل والمعمار والموضة والجنس والجنون والسجن والصداقة والحرب
إن هذه الموضوعات فتحت شهية الفيلسوف الجديد لتجريب سؤاله الفلسفي عبر إعادة الحياة لفلاسفة وموضوعات، ظلت الى حد بعيد في الهامش وعلى الحواشي.
هل انتهينا من مدرسة الفلسفة وفلسفة المدرسة؟ ودخلنا الى شبكات جديدة أشبه بشبكات عنكبوتية، صحيح ان الوظائف التي كانت ـ الى حد قريب ـ تعطي للمدرسة من حيث هي فضاء عمومي، يكتسب المتعلم فيها درس الفلسفة كدرس للاحتجاج والمساءلة والنقد أم أن هذا الفضاء لم يعد يحتمل الفلسفة باعتبارها سربا من الاحلام والاوهام.
لا عجب إذن أن نعيد للفلسفة راهنيتها وأن نعيد للفضاء العمومي «سؤال التنوير» وأن نبحث في الاشكال الجديدة لمقاومة هذا النظام الذي يفرض استهلاك النمط وترسيخه في الروح والجسد. في الوعي واللاوعي، ولا عجب كذلك في الإنصات لهذه المقاومة عبر إعادة أسئلة في ضيافة فلاسفة كبار ككانط وابن رشد ونيتشه وفوكو… إن هذه الضيافة كفيلة بتجديد أسئلتنا نحو موضوعات أضحت مركزا للاستهلاك الاعلامي كالدين، الحرب، الارهاب، اللغة، السياسة، والمواطنة، المدينة، حقوق الإنسان
كأن هذه الموضوعات في عودتها كأسئلة فلسفية تحيل الى نوع جديد من المقاومة التي يؤسس بها الفيلسوف والمشتغل بالفلسفة ضدا على النمط الرقمي، إذ يشغله الاعلام ويشكله بتنميطات تدمر هذا الفعل الذي يتمترس فيه رجال الفلسفة أنفسهم داخله. إن المقاومة هنا أشبه بحرب العصابات التي يجيدها الفيلسوف والمشتغل بالفلسفة كأنما يرغبان التشويش والتقويض للميتافيزيقا الثاوية خلف خطاب السيطرة والقوة والسلطة في الاعلام ومفعولاته. وإذا كان الامر كذلك فإن مسار الفكر الفلسفي المغربي دشن هذا الفعل الجديد في المقاولة من خلال عبد السلام بنعبد العالي كنموذج استثنائي في هذا الفعل. صحيح أن سؤال التراث كسؤال يولد مفعولات الهوية والاختلاف، الذاكرة والنسيان، الوحدة والتعدد، المعنى واللامعنى، الاتصال والانفصال… وهي مفعولات ظل المفكر المغربي يتأرجح بينها، لا للقطع مع أسئلة التراث، بل لتجديد وتجريب أسئلته، كأن المعضلة المركزية التي ظلت أسيرة الخطاب العربي المعاصر تتجدد بأقنعة متعددة ومساحيق جديدة ومرجعيات متجددة. وإشكالية التأخر والتقدم التي رسمت إحدى الطرق المركزية في هذا الخطاب، لا نريد هنا استضافة المفكرين الاساسيين في خطابهم المثمر، ولا في إقصاء مقاربة أحدهم للراهن الفلسفي الحديث عبر تمثل موروثنا القديم في الاستراتيجية التي دأب الاستاذ الجابري على الخوض فيها، بما يسميه تكوين العقل العربي، وهي استراتيجية تحيل الى العودة لكانط في الترسيمة التي حددها للعقل، بما يفيد السير في الطرق المستقيمة للعقل الاسلامي أو للأخلاق أو للسياسة أو حتى للخطاب القرآني. إنه طريق محدد المعالم ومسطر الاهداف تنزع الإيديولوجيا نحو ترسيخ أسئلتها كأسئلة للراهن العربي بما يحمله من دلالات، أو في مشروع الاستاذ عبد الله العروي الفكري الذي يروم تقويض كل التصورات التي تشحذ العون من القديم لمعرفة الجديد أو لتقديم وصفة معقولة لتقدم العرب. تقويض يلح عليه هنا المفكر ـ منذ كتابه الاول «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» انطلاقا من مسوغ نظري تاريخاني يفيد تمثل التجربة الالمانية وفكر الانوار والدخول الى التاريخ العالمي عبر الاستفادة وتطوير هذه المكتسبات العالمية
إن هذا الخصام المثمر هو ما يضع المتتبع لهذين المفكرين الكبيرين إزاء ملاحظة انسياقهما وراء كتابة المذكرات («حفريات الذاكرة» للأستاذ الجابري و«خواطر الصباح» لعبد الله العروي) ماذا يعني ذلك؟ هل هي استراحة المحارب؟ أم أن المسألة أبعد من ذلك؟ تفتح لهذا القارئ شهوة التأويل بمذاقات راهننا العربي الجديد، بمعنى ألم تعد للقضايا الكبرى مساحة للتفكير في إبداعها، أم أن حلمهما الدفين في حجاب الذات واللغة أصيب بإحباط الراهن. أو قد نقول بنوع من التقدير لهما ان هذا النوع من الكتابة (المذكرات) هو تأمل في مسار تجربتهما الحداثية والفكرية، لمطالبة هذا القارئ الاشتراك معهما في قلب فعل القراءة بقراءة المشروع الفكري لكل واحد منهما بذاكرة صاحبه. لنعلق هذا السؤال على بوابة كل مشروع من هذه المشاريع ولنتساءل بمكر قارئ متعدد حول توقف هذا المفكر أو ذاك في مشروع فكري أسس عتباته الاولى وأسئلته الاساسية في الاول ليتركه منفتحا على كل الاحتمالات، نعني بذلك الاستاذ عبد الكبير الخطيبي الذي ترك المشروع وانخرط في كتابة الادب. قد نقول بمعية هذا القارئ ان رهان الخطيبي، هو رهان تفكيك الخطابات وتذويب المسافات وتدمير الاسوار بين هذا الخطاب أو ذاك، ولكن مع ذلك قد تكون الإجابة هنا غير مقنعة بالنسبة إلينا، أو قد يكون السؤال الفلسفي الراهن سؤال / ورطة، يورط واضعه في متاهات كبرى. قد لا يستفيق منها إلا حين يعتبر في لحظة ما أن ورطة السؤال لا تسمن ولا تغني من جوع.
لا نريد هنا عد حروف هؤلاء المفكرين، بقدر ما نريد استضافة أسئلتهم، كأسئلة لازالت تدفئ بعض مساحتنا الفكرية. من هنا أجدني في تماس حقيقي مع الراهن الفلسفي المغربي. كسؤال يفيد رهن هذا السؤال في راهنيته أو بالأحرى كحضور يأسر غيابه، أو كغياب يؤسس لحضور الذاكرة والنسيان. حضور لم يعد الخطاب الفلسفي حاضرا في المؤسسة، لا نقصد هنا التحولات التي طرأت في المؤسسة منذ ندوة «ابن رشد» الى ندوة «الى أين يسير؟» التي نظمتها الجمعية المغربية الفلسفية. بل نقصد الاسئلة والكتابات الفلسفيتين وفعلهما الممارس في الثقافة العربية (المغربية خاصة)، أسئلة دشنت تأصيل الخطاب الفلسفي في المدرسة والجامعة المغربيتين والكتابات التي صاحبتها ترجمة وتدريسا وكتابة في مجالات فلسفية متعددة كالإبستيمولوجيا والفكر الاسلامي والعربي والمنطق والفلسفة الحديثة…. لكن الإشكال الذي يدفعنا لكشف التقابل المهيمن في الثقافة العربية وهو تقابل يعيد لمأساة ابن رشد راهنيتها. نعني بذلك ما عبر عنه الاستاذ الجابري في كتابه «تكوين

المزيد

الفلسفة بالمغرب: حوار متعدد الأصوات حول «الفلسفة والسلطة»، «الفلسفة في المؤسسات التعليمية» و«الفلسفة

مايو 4th, 2008 كتبها حمو زروال نشر في , فلسفة

 

سعيد عاهد

«حوار حول الفلسفة بالمغرب»، تحت هذا الشعار نظم فرع المحمدية لاتحاد كتاب المغرب، بتنسيق مع نيابة وزارة التربية الوطنية بالمدينة، لقاء فكريا استمر طيلة يوم السبت 19 أبريل الماضي.
استقطبت الأسئلة المتمحورة حول علائق «الفلسفة والسلطة» وكذا الإشكالات المتفرعة عنها، أشغال الجلسة الأولى للحوار، التي تولى رئاستها وصياغة تقرير أعمالها أحمد الصادقي، والتي قُدمت في مستهلها ثلاثة مساهمات:
- «
الفرد-المواطن أساس المجتمع الديمقراطي الحداثي/ منظور سوسيو فلسفي» لناصر السوسي،
- «
الفلسفة والسلطة:إثبات ( Un constat) من الميثاق الوطني للتربية والتكوين» للغزواني تكاني،
- «
الفلسفة والسلطة: مدخل للتجديد» لعبد المجيد انتصار.
وكان أحمد الصادقي قد أشار، قبل تقديم المداخلات، إلى «أن العلاقة بين الفلسفة والسلطة بدأت منذ حدث أساسي في تاريخ الفلسفة، هو موت سقراط، وبالتالي، فإن هذه الصورة تعبر تعبيرا حقيقيا عن لقاء الفلسفة والسلطة. لماذا؟ لأن سقراط فيلسوف ولم يكن رجل سياسة، ولأن موطن الفيلسوف ليس هو المدينة الجاهلة، او المدينة الضالة، وإنما هو العقل، وبالعقل نزل الفلاسفة إلى المدينة من أجل إصلاحها، لكي تكون عقلية وأخلاقية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالعلاقة بين الفلسفة والسلطة في تاريخ التجربة الحضارية العربية الاسلامية، تتمحور حول أربعة عناصر:
-
الأدب السلطاني، الأدب الساساني والفارسي والروماني أيضا، وكيف لعب دورا في قيام ما يسمى بالدولة السلطانية، في مقابل دولة الخلافة ودولة الفقيه.

تابع ص 1
-
الدور الذي يلعبه الفقيه أيضا في السلطة وفي السياسة.
-
الدور الذي لعبه الفلاسفة في تأسيس مايسمى بالمدن الفاضلة .
-
صدمة الاستعمار أو الحداثة التي جعلت قيما جديدة تدخل الثقافة العربية الاسلامية، ومنها مشكلة المواطن، مشكلة الفرد، مشكلة الديمقراطية
غير أن هذه العناصر الأربعة، يضيف الصادقي، تتفاعل فيما بينها تفاعلا تاريخيا، بحيث أننا قد نجد علاقة بين الآداب السلطانية والفقه، كما هو الحال في تجربة الماوردي، أو علاقة بين الفلسفة والفقه، كما هو الحال بالنسبة لابن رشد، حيث حاول هذا الأخير أن يكون فقيها، وفي نفس الوقت فيلسوفا.
إن العلاقة بين الفلسفة والسلطة وجدت، كذلك، تمظاهراتها في تاريخنا على شكل علاقة بين الفلسفة والشريعة، ثم على مستوى العلاقة بين الفلسفة والعلوم…»
وإذا كانت المداخلات والمناقشات التي أعقبت المساهمات الثلاث وفتحت أمام الحاضرين آفاق أسئلة جديدة وإضافية، من قبيل مختلف التمظهرات التي تتجلى من خلالها السلطة، والعلاقات التاريخية بينها وبين الفلسفة، فإن المتدخلين خلصوا عموما، من بين ما خلصوا إليه، إلى:
-
إشكال الفلسفة والسلطة إشكال لا يستنفد، وإنما يظل قابلا لأطروحات فلسفية وقانونية وحقوقية متعددة،
-
استحالة الحديث عن المجتمع الديمقراطي الحداثي في غياب بناء الفرد-المواطن، إذ الحداثة ليست مجرد مؤسسات فحسب، وإنما هي بنية ذهنية وثقافة تتوفران للفرد، علما بأن مفهوم الفرد، ومعه مفهوم المواطن، ظلا غائبين من الفكر العربي الإسلامي المؤسس لممارسة السلطة من قبل «السلطان» على «الرعية»،
-
مغربيا، تم التفكير في سؤال السلطة داخل كليات الحقوق، ولا سيما في إطار الأنثروبولوجيا السياسية، ومن هذه الأخيرة تولدت كل المفاهيم المتداولة اليوم في الحقل السياسي. فماذا قدمت الفلسفة، هنا والآن، كتصورات للمفاهيم التي تنظم الواقع السياسي الحالي من قبيل المصالحة، الحقيقة، الإنصاف، الديمقراطية، المواطنة؟ هل فكرت الفلسفة مغربيا في هذه المفاهيم، أم تُرى التفكير فيها تم داخل حقول معرفية أخرى؟
وإذا كان عبد الحكيم القدوري قد ترأس وصاغ تقرير جلسة الحوار الثانية التي تناولت موضوع «الفلسفة في المؤسسات التعليمية»، فإن أعمال هذه الورشة تمت على شكل مائدة مستديرة تناول خلالها الكلمة العديد من المشاركين، ومنهم مدرسون لمادة الفلسفة و مفتشون لها، تلاقحت ملاحظاتهم واقتراحاتهم مع أفكار المساهمين المنتمين لقارات فكرية مغايرة.
جلسة الحوار الثالثة تناولت بالبحث والتفكير تيمة «الفلسفة وسؤال الحاضر»، وقد سيرها امحمد الطواع، وعقب على نقاشاتها عبد الصمد الكَباص وقدم تقرير مجرياتها عبد العزيز البومسهولي، علما بأنها انطلقت عبر تقديم 3 مداخلات:
- «
رهانات الفلسفة اليوملحسن إغلان
- «
الفلسفة في مواجهة أسئلة الهنا والآن» لعثمان بنعليلة.
- «
الحاضر كاختبار اقصى لزمانية الكائن» لعبد العزيز بومسهولي.
وفي تعليقه على المداخلات وعلى النقاشات التي تلتها، أكد عبد الصمد الكَباص، في نص انتقى له عنوان «الحاضر هو الجسد»:
«
ينبغي، ونحن نستدعي سؤال الحاضر في صلب الانشغال الفلسفي، ان نؤكد أن الفكر ممارسة للذات، أي انه يقع في صميم عملية التحيين (actualisation) التي من خلالها نبني ذواتنا. أي ذلك الجسد الذي يحددنا كوجود خاص.
«
ووضع الحاضر في موقع المساءلة معناه طرحه كحركة انفصال تشتغل في الزمان. إنه شكل من الغيرية

المزيد


باشـــــلار ولوتريامون.. الفلسفة تكتب قصيدتها النارية

أبريل 6th, 2008 كتبها حمو زروال نشر في , فلسفة

ملحوظة- تعميما للفائدة. ارتايت ان اقدم هذا النص لتعميق المعرفة الانسانية.

سعيد بوخليط

البحث عن ملامح القوة، العمق، الشدة، الفتك ثم الافتراس… . منطلقات، استند عليها غاستون باشلار، للوقوف عند اللحظة الشعرية التي جسدها بامتياز وبعنف كذلك، الشاعر لوتريامون Lautréamont أو «دوكاس إزيدور» في مصنفه Les chants de maldoror . عثر باشلار هنا، على نموذج لافت قصد وضع ترسيمة معرفية وأنطولوجية لخيال ديناميكي، يختلف عن خيال نيتشه Nietzsche أو شيلي Shelley، وإن انساب في نفس الأفق. يسعى أساسا، استنبات شروط "حياة حيوانية"، بمعنى جل مظاهر العنف والاقتحام : «طاقة عدوانية، يظهر معها عمل لوتريامون Lautréamont، كفينومينولوجيا حقيقية للعدوان» (1). تناول باشلار قصيدة لوتريامون Lautréamont، الذي صنفه البعض في مقدمة طليعة الشعراء السورياليين نظرا لعجائبيته، بناء على ثلاثة زوايا أساسية:
ـ البعد العدواني للقصيدة اللوتريامونية.
ـ لوتريامون Lautréamont، باعتباره شاعر عضلات، كإحالة على القوة والصراخ… .
ـ المحددات النفسية لعقدة لوتريامون Lautréamont.
أكد باشلار في تعريفه للشعر(2) على البعد الزماني المؤسس لحيثياته. حيث، يتحدد الشعري باستمرار كنشأة زمانية جديدة، تقطع أنفاس الزمان الوقائعي. لذا، فالوقوف عند مبدع ملهم مثل لوتريامون Lautréamont بكل عنفوانه اللحظي، يؤكد بالملموس الحاجة الأنطولوجية إلى صور شعرية تتميز بالفورية والآنية، ترسم على منوالها لحظات مغايرة.
قصيدة لوتريامون Lautréamont، اشتغال للاندفاع والوثوب الجامح، بالشكل الذي تصور به باشلار بنية الخيال الديناميكي ـ انسجاما مع طبيعة التصور الباشلاري في تلك الفترة ـ أي ذاك الخيال الذي يحول ويمسخ، بصنعه لأشكال حيوانية. لأن صورة الحيوان، من بين الصور الأولية التي يستحيل التخلص والهروب من سلطتها أو كما أشار يونغ Jung : «لا أعتقد أبدا أنه بإمكاننا الانفلات من قدرتها الكلية»(3).
ينفصل لوتريامون Lautréamont عن المسار الطبيعي للزمان، يقلب كل الثوابت، لأن قصيدته عنيفة بامتياز، تحاول استباق الأشياء وتطويقها. مادامت، علاقة الذات بالعالم وفق هذا المنظور تظل متعارضة كليا يحكمها منطق الصراع والمقاومة : « لكي تعيش، يجب أن تقبض بالكماشة وليس العكس» (4). كما أن المخلـب La griffe يـرمز للإرادة الخالصة : « كم هي فقيرة وثقيلـة إرادة الحياة le vouloir- vivre لشوبنهاور أمام إرادة الهجوم مع لوتريامون Lautréamont ! تحافظ في الواقع، إرادة الحياة داخل نظرية شوبنهاور على لا عقلانية فاترة في العمق. تتصلب من خلال كتلتها وكميتها وكذا كليتها ثم كون العالم بأكمله إرادة للحياة : إن إخفاق أحدهما يمثل أوتوماتيكيا انتصارا للآخر. إرادة الحياة، واثقة دائما من النجاح. في حين، إرادة الهجوم دراماتيكية ومريبة» (5).
يوظف لوتريامون Lautréamont، حسب باشلار : «قصيدة للتهييج، والاندفاع العضلاتي» (6) . لذلك، إذا توخينا : «خلق قصيدة للعنف المطلق، تبتهج بالحريات الكلية للإرادة. تتحتم قراءة لوتريامون Lautréamont» (7). عنف، يتحقق مباشرة في الفعل الحيواني، ثم تلتقطه القصيدة الفعالة. سيقترح، باشلار إذن، توظيف أصول التأويل الديناميكي لكي نتمثل جيدا لوتريامون Lautréamont، الذي اعتقد بأن وظيفة الخيال الأولى تتجه نحو صنع أشكال حيوانية.
الشعر، زمان للاقتحام والقسوة. إنه : «مستقيم دائما وموجه. لا يلويه أي تموج أو يكبحه عائـق ما. زمان بسيط، متجانس دائما مع الاندفاع الأول. يتموضع زمان العدوان، مع الكائن الذي يهاجم وفق خطة وحيدة يؤكد بها عنفه. لا ينتظر الكائن العدواني، لكي نعطيه الزمان. بل يأخذه ويخلقه» (8).
تشتد إرادة الحياة عند لوتريامون Lautréamont، ويتحدد الفعل القوي كممارسة هجومية : «يتم تصميم الزمان، كتراكم للحظات حاسمة، دون اهتمام كبير بوقت التنفيذ» (9). الكائن هنا، متوقد للهجوم يعيش في إطار عدوانية وجودية مع الأشياء المحيطة به، مصاب ب «عقدة لوتريامون»، كما اصطلح عليها باشلار، تبلور وتمظهر الجانب العدواني في الذات الإنسانية.
تضمنت نصوص لوتريامون Lautréamont: Les chants de maldoror. اسم 185 حيوان وكذا 435 إحالة للحياة الحيوانية. يتميز التراكم الحيواني ـ مقارنة مع شاعر آخر كفكتور هيغو Hugo مثلا ـ بكونه يرمز إلى : «غنى وحركية الاندفاعات الذاتية. فالعنف في إرادة البقاء، يغير الكائنات كما يحدد التحولات» (10). يؤسس الفعل، بإرادة جديدة منطلقة، حدودا إنسانية أخرى. التحـول أو المسـخ La métamorphose عند لوتريامون Lautréamont، وسيلة أنطولوجية تخلق الفعل القوي، ثم يبدو الكائن حينئذ كحصيلة لإمكانات حيوانية، أو كحيوان أعلى Suranimal له

المزيد





<?xml:namespace prefix = o />