ت المرزوقي، إذن، حالة خاصة.
- ربما كان تأثير التلفزيون أكبر في التعريف بقضية تازمامارت، وربما كان هذا التأثير والطريقة التي روى بها المرزوقي مأساته ومأساة من كانوا معه هما اللذان أعطيا الرواية نفسا جديدا، لأن مأساة تازمامارت قيل عنها الكثير في الصحف وفي الكتب…
< أنت تتحدث عن مجتمعات نِسْبَتا الأمية والفقر تصلان فيها إلى 60 في المائة تقريبا. الثقافة التي نشأت عليها الشعوب العربية هي الكراهية والعداء للقراءة، الكتاب في الدول الغربية يصبحون من الأثرياء بينما الكتاب يتسولون في بلادنا؛ أكثر الكتب طبعا لا يتجاوز عدد نسخها 5000 نسخة، وممكن ألا تباع إلا بعد عدة سنوات، وإذا اشتراها 5000 شخص ربما لن يقرأها منهم إلا 100 أو 200 أو 500 شخص… فنحن لسنا أمة قراءة للأسف الشديد، نحن أمة تسلية، وبالتالي فحينما يصبح التلفزيون، الذي هو وسيلة تسلية، وسيلة تسلية نافعة بحيث يقدم معلومات إلى الناس، يصير هو المصدر الأساسي للمعلومة…
- لقاؤك مع حشاد الطيار السابق في الجيش المغربي، هل هو حرص على إعادة تجربة ناجحة أم هو اهتمام استثنائي بما جرى في المغرب دون غيره من البلدان؟
< ليست قضية اهتمام استثنائي. فحينما درست مرحلة انقلاب الصخيرات، وجدت أنني لا أستطيع فصل هذه القضية عن محاولة انقلاب أوفقير، التي حدثت بعدها بعام. وبالتالي، كان لا بد من البحث عن شخص يكمل هذا المشهد، ولاسيما أن من بقي من ضباط الصخيرات وضباط أوفقير ذهبوا سويا إلى تازمامارت بعد ذلك. فهناك روابط أساسية بين المحاولتين، لذلك لا بد أن أستكمل شهادة المرزوقي بشهادة شخص آخر، وكان حشاد هو أفضل شخص اعتبارا لأنه كان قائد سرب الطائرات التي هاجمت طائرة الملك، واعتبارا لأنه يتكلم اللغة العربية. فأنا أواجه مشكلة مع المغاربة، الذين لهم ثقافة فرنسية ولكنتهم ربما تكون غريبة بعض الشيء، حيث أجد صعوبة في الحديث إليهم… ثم إن علاقة المحاولة الانقلابية الثانية بالأولى جعلتني أنتظر عاما ونصف العام حتى يشفى حشاد من عملية أجراها في القلب وأكمل المشهد، ليس للمغاربة فقط، بل للناس جميعا.
- في قضية العربية هاته بالذات هنالك ما أعتبره، شخصيا، تعاملا استثنائيا من قناة الجزيرة، حيث يحاول المسؤولون، جهد الإمكان، تفسير أو «ترجمة» اللهجة المغربية إلى بقية المشاهدين بينما لا يفعلون الشيء نفسه مع لهجات المشارقة…
< أنا لن أدخل معك في هذه التعقيدات، المشاهد إذا لم يعجبه ما يشاهده يمكنه أن ينتقل إلى محطة أخرى ويتفرج على قناة أخرى! أريد أن أقول لك إن أحمد المرزوقي بهر أهل المشرق، قبل أهل المغرب، ببلاغته وأدبه وأدائه وقدرته على الرواية بفصاحة لغوية مبهرة وهو رجل عسكري، ليس أديبا ولا فقيها ولا سياسيا… لقد بهر الناس فعلا، وهنالك من الناس في المشرق من لا استطاعة لهم على ذلك الإبهار… فالقضية، إذن، ليست قضية مشرق ومغرب، ولكنها قضية تلفزيون يقوم على الحكاية والحضور والأداء، فمن كانت له القدرة على الأداء من أي جنس ولون كان، يستطيع أن يستقطب الناس؛ أما إذا جئت بأعلى الناس مكانة دون أن تكون له قدرة على التعبير، فلن يشاهده أحد. التلفزيون صورة وأداء.
- معنى هذا أنك كنت ستصرف، ربما، النظر عن التسجيل مع المرزوقي لو لم يكن بهذا الأداء اللغوي والحضور التلفزيوني الذي تحدثت عنه بصرف النظر عن طبيعة موضوع التسجيل؟
< .. أنا أسجل مع ناس لا يفهمهم إلا قليل من الناس… وأنا لا أعتقد أن هناك كثيرا من المغاربة بنفس بلاغة وفصاحة المرزوقي، ومع ذلك فهذا لم يمنعني من التسجيل معهم…
- هل كان ثمة تعاقد، من أي نوع كان، بينك وبين المرزوقي…
< نحن لا نتعاقد مع أحد. شهود العصر لا ندفع لهم أي مبالغ.. وقد أعلنت عن هذا مرارا في البرنامج؛ لأنه كانت هناك إشاعات كثيرة حول هذا الموضوع… وحتى المرزوقي أثيرت حوله إشاعات كثيرة، وقيل إن المكان الذي سجلنا فيه الحلقات هو بيته الخاص، بينما نحن كنا نسجل في متحف مستأجر. والرجل قال لي إن الناس يعتقدون أن المكان هو بيتي بينما هو رجل بسيط…
- لقد اغرورقت عيناك بالدموع أكثر من أربع مرات، خاصة في الحلقة الأخيرة، ألم تشعر بأنك انحرفت عن مسؤوليتك المهنية شيئا ما؟
< لا، لم أشعر بذلك على الإطلاق. أكون منحرفا عن المسؤولية المهنية حينما أنحرف في المواقف السياسية وليس في المواقف الإنسانية. دموعي كانت إنسانية ولم تكن سياسية، وكانت في مواقف إنسانية بكى فيها كل الناس تقريبا. فعدد كبير من الرسائل التي توصلت بها والتي نشرت على النت… قالت إن أصحابها بكوا في نفس اللحظة وتأثروا بتلك المأساة.
وقد دار بيني وبين بعض الزملاء نقاش في هذه النقطة. قلت لهم ينحرف الإعلامي إذا انحاز سياسيا، أما في لحظات الضعف الإنساني فلا أعتقد أنه يكون في الأمر انحراف إعلامي، لكن يجب أن تظهر إنسانية الإعلامي، لأنه، في النهاية، إنسان… وقد قلت للناس: كنت أتمنى أن أبقى مهنيا، لكنني لم أستطع.
- قضية السجناء العسكريين (تازمامارت) أثارت نوعا من الغيرة لدى بعض السجناء السياسيين السابقين حتى ينفرد هؤلاء بـ«التميز النضالي» حسب بعض الغاضبين، والمرزوقي منهم. هل من رأي في هذه القضية؟
< نحن نناقش وقائع تاريخية مهما كانت طبيعتها؛ تلك مآس إنسانية وقعت، أما كونها وقعت لعسكريين فتلك ليست مسؤوليتنا، ولو كانت وقعت لسياسيين لما اختلف الأمر.
- لا بد أنك شعرت بسهولة التحاور مع المرزوقي مقارنة بعبد الهادي بوطالب، مثلا…
< المرزوقي سهل المهمة لأنه إنسان يريد أن يتكلم، وبعض الشهود يفاجئونني لأنهم يريدون أن يتكلموا. ولكن كثيرا من الشهود من طبيعتهم أنهم لا يريدون أن يتكلموا. بعض الشهود يرفضون حتى لقائي. شخصيات سياسية مغربية رفضت حتى أن تلتقي بي، أو تتناول معي فنجان شاي، رغم امتلاكها للكثير من المعلومات التي من حق الناس أن يعرفوها منهم، لأنهم عندما تبوؤوا المناصب العامة تبوؤوها باسم الشعب ولأجل الشعب. فمن حق الشعب أن يعرف ماذا فعل هؤلاء، وماذا دار وراء الكواليس حين كانوا في السلطة.
-هل لنا أن نعرف بعض الأسماء؟
< عبد الرحمان اليوسفي، مثلا، وامحمد بوستة..! لكنني لا أركض وراء أحد. لأن الشاهد واجب عليه أن يؤدي شهادته أمام الناس وللتاريخ.
- هل لقاءاتك خاضعة لأجندة معينة، فيها نوع من التركيز على شخصيات وبلدان معينة، أم إنها أجندة عادية؟
< ممكن أن تطبق عملي على أي دولة. كل العالم العربي شارك في الشهادة على العصر… أجندتي هي المشاهد.. وأنا لا أستثني أحدا؛ ودوري في النهاية هو أن أخبر المشاهد. أنا أعلن دائما أنني موظف عند المشاهد، أتقاضى راتبي من قناة الجزيرة، لكنني موظف عند الناس. أقوم بكل هذه الجهود حتى يعرف الناس ما خفي عنهم من حقائق ومن معلومات طوال السنوات الماضية على قدر ما أستطيع.
- ما رأيك في العلاقة المتوترة بين السلطات المغربية والمسؤولين في قناتكم حول ترحيل مكتب القناة من المغرب.. ما المشكل؟
< لا أعرف. ولست مهتما بأن أعرف.
رغم أنك من الأشخاص المهمين في القناة ورغم ترددك الكثير على المغرب!
< لست مقربا من أحد… أنا مقرب من عملي يا سيدي…
- لكنك قريب جدا من وضاح خنفر…
< ليست قضية مقرب أو غير مقرب. وضاح خنفر هو مدير الجزيرة، وأنا موظف رئيسي في الجزيرة… فهل سنحارب بعضنا؟ هل ينبغي أن تكون هناك حرب بيني وبين المدير؟ هو مدير الجزيرة.. هو يقوم بعمله وأنا أقوم بعملي، أنا لا أتدخل في عمله، وليست لي أي علاقة بالإدارة لا من قريب ولا من بعيد، ولا أعبر عن قناة الجزيرة رسميا. أنا لا أتحدث إلا عن برامجي التي أنا مسؤول عنها…
-هل في منع الجزيرة من المغرب، في رأيك، خسارة للمشاهد العربي أم إن وجود مكتب للقناة في الرباط مثل عدمه؟
< يجب أن يفهم المسؤولون العرب شيئا، وهو أن الحرية تجاوزت كل الوسائل القمعية التي يمكن أن يلجأ إليها هؤلاء؛ وأنه من مصلحتهم أن يقيموا علاقات قوية وجيدة مع القنوات الجادة والمحترمة، وعلى رأسها قناة الجزيرة. لن يستطيعوا أن يمنعوا الناس من مشاهدة قناة الجزيرة، وإغلاق مكتب الجزيرة هنا أو هناك أو في أي مكان آخر لا يغير شيئا… فأنا أديت حلقتي من الرباط، لكن من مكتب خاص ومن شركة خاصة؛ ما الفرق بينها وبين قناة الجزيرة.
- لكن المغرب لا حرج لديه في أن يفتح المجال للجميع، شرط…
< هذا ما يعبر عنه المسؤولون المغاربة…
- … شرط احترام بعض الأشياء والالتزام بالمهنية…
< شوف… أنا أكلمك هنا عن رأيي الشخصي في قضية عامة.. د